العرب والعالم

# ماكرون يتصدر البحث وفرنسا تهز اليورو.. احتجاجات وأزمة ديون تعيدان شبح الأزمة الأوروبية

ماكرون يتصدر

دخلت فرنسا مرحلة شديدة الحساسية تجمع بين **احتجاجات اجتماعية متصاعدة، وأزمة مالية متفاقمة، وتوتر سياسي، وارتفاع كلفة الاقتراض، وضغوط متزايدة على اليورو**، في مشهد أعاد إلى الأسواق ذكريات أزمة الديون السيادية التي هزت منطقة اليورو قبل أكثر من عقد.

وفي مؤشر على حجم الاهتمام الداخلي، ظهر اسم **إيمانويل ماكرون** ضمن اتجاهات Google Trends في فرنسا بأكثر من **20 ألف عملية بحث خلال آخر 24 ساعة**، بالتزامن مع تصاعد الاهتمام بالأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحيطة بالرئاسة الفرنسية.

لكن ارتفاع البحث عن ماكرون لا يعني أن جميع عمليات البحث مرتبطة بسبب واحد، بل يعكس تزامن ملفات عدة دفعت الرئيس الفرنسي وحكومته إلى واجهة الاهتمام الشعبي والأسواق في آن واحد.

## احتجاجات المدارس تتحول إلى أزمة سياسية

تشهد فرنسا منذ أسابيع حركة احتجاجية يقودها طلاب المدارس الثانوية، اعتراضاً على **نقص التمويل، وازدحام الصفوف، وتراجع أوضاع بعض الأبنية التعليمية، ونقص المدرسين**.

وفي عدد من المدن تحولت التحركات إلى مواجهات مع قوات مكافحة الشغب، وشهدت بعض المناطق استخدام الغاز المسيل للدموع وإغلاق مدارس واعتقالات، ما جعل الملف يتجاوز المطالب التعليمية ليصبح قضية سياسية واجتماعية أوسع.

وتتمسك مجموعات طلابية بمطالب زيادة الإنفاق وتحسين ظروف التعليم، بينما تدعو السلطات إلى منع العنف والحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاجات.

لكن المشكلة بالنسبة للحكومة أن الأزمة الاجتماعية تأتي في توقيت تحتاج فيه باريس إلى **تقليص الإنفاق العام وضبط العجز**، ما يضعها بين ضغوط الشارع وضغوط الأسواق.

## خلف الاحتجاجات.. أزمة ديون ضخمة

الأزمة الأخطر بالنسبة إلى المستثمرين لا تقع في الشارع فقط.

فالدين العام الفرنسي وصل إلى مستويات مرتفعة للغاية، مقترباً من **120% من الناتج المحلي الإجمالي**، في وقت لا يزال العجز المالي أعلى بكثير من الحدود الأوروبية المستهدفة.

وكلما ارتفع الدين، أصبحت الحكومة مضطرة إلى اقتراض أموال إضافية لتمويل نفقاتها وخدمة التزاماتها السابقة.

المشكلة تتضاعف عندما ترتفع أسعار الفائدة.

فارتفاع عوائد السندات الفرنسية يعني أن باريس تدفع كلفة أكبر عند إصدار ديون جديدة أو إعادة تمويل ديون تستحق، وهو ما يؤدي إلى تخصيص حصة متزايدة من الموازنة لدفع الفوائد بدلاً من تمويل الخدمات العامة والاستثمارات.

## موازنة 2027 في قلب المواجهة

تحاول الحكومة الفرنسية مواجهة هذا المسار عبر خطة مالية تهدف إلى **خفض العجز وكبح نمو الدين**.

وتتضمن المناقشات إجراءات لخفض بعض أوجه الإنفاق وزيادة الإيرادات، بالتوازي مع مراجعة بعض الإعفاءات والامتيازات الضريبية وإجراءات مرتبطة بالمعاشات والصحة والإنفاق الحكومي.

وتسعى باريس إلى تحقيق عشرات مليارات اليورو من الوفورات، لكن هذه المهمة تواجه عقبة سياسية كبرى.

فالبرلمان الفرنسي منقسم، وفرض إجراءات تقشفية واسعة قد يؤدي إلى موجة احتجاجات أكبر في الشارع.

وهنا تجد الحكومة نفسها أمام معادلة بالغة الصعوبة:

**إذا لم تخفض العجز، قد تفقد ثقة الأسواق. وإذا خفضت الإنفاق بسرعة، قد تزيد الغضب الشعبي.**

## اليورو يدفع الثمن

الأزمة الفرنسية بدأت تنعكس بصورة واضحة على أسواق العملات.

فقد تعرض **اليورو لضغوط قوية واقترب من أدنى مستوياته في نحو 17 شهراً أمام الدولار**، مع تحول المستثمرين إلى العملة الأميركية والأصول التي يعتبرونها أكثر أماناً.

وبالطبع لا يرجع ضعف اليورو إلى فرنسا وحدها، لكن حجم الاقتصاد الفرنسي يجعل أي اضطراب مالي أو سياسي في باريس مؤثراً في العملة الأوروبية الموحدة.

فرنسا هي ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، ولذلك فإن أزمة ثقة في قدرتها على السيطرة على الدين والعجز يمكن أن تتحول سريعاً إلى مشكلة أوروبية.

## السندات الفرنسية تثير القلق

أحد أهم المؤشرات التي يراقبها المستثمرون الآن هو الفارق بين عوائد السندات الحكومية الفرنسية والألمانية.

تُعد السندات الألمانية مرجعاً للأمان داخل منطقة اليورو.

وعندما يطالب المستثمر بفائدة أعلى لشراء السند الفرنسي بدلاً من الألماني، فهذا يعني أنه يرى مخاطر أكبر في الاحتفاظ بالدين الفرنسي.

وقد اتسع هذا الفارق بصورة لافتة، ما أعاد إلى الذاكرة بعض ملامح أزمة الديون السيادية الأوروبية التي ضربت القارة بين عامي 2010 و2012.

فرنسا ليست اليونان، والاقتصاد الفرنسي أكبر وأقوى ولديه قدرة أوسع على الوصول إلى أسواق التمويل.

لكن المشكلة تكمن تحديداً في حجم فرنسا.

فإذا واجه ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو أزمة ثقة حقيقية، فإن التداعيات قد تكون أوسع بكثير من أزمة في دولة صغيرة.

## هل تنتقل العدوى إلى بقية أوروبا؟

هذا هو السؤال الذي يقلق الأسواق.

فإذا بدأ المستثمرون في بيع السندات الفرنسية بسبب المخاوف من الدين والعجز، ترتفع عوائدها وتزداد كلفة التمويل.

وإذا انتقل القلق بعد ذلك إلى دول أوروبية أخرى ذات مديونية مرتفعة، مثل إيطاليا أو إسبانيا، يمكن أن تبدأ ظاهرة تعرف باسم **العدوى المالية**.

وهذه الآلية كانت إحدى السمات الرئيسية لأزمة الديون الأوروبية السابقة.

تبدأ المشكلة في دولة واحدة، ثم يبدأ المستثمرون بإعادة تقييم المخاطر في الدول المجاورة، فتتوسع عمليات البيع وترتفع أسعار الفائدة في أكثر من سوق.

## البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار صعب

البنك المركزي الأوروبي يجد نفسه بدوره أمام معادلة شديدة التعقيد.

من جهة، عليه مراقبة التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار.

ومن جهة أخرى، لا يستطيع تجاهل اضطرابات أسواق السندات إذا تحولت إلى تهديد لاستقرار منطقة اليورو.

رفع أسعار الفائدة يساعد عادة في مكافحة التضخم، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر.

أما خفض الفائدة أو التدخل لدعم سوق السندات فقد يمنح الدول المثقلة بالديون متنفساً، لكنه قد يزيد الضغوط التضخمية.

لذلك فإن ما يحدث في فرنسا أصبح عاملاً إضافياً يدخل في حسابات السياسة النقدية الأوروبية.

## الدولار المستفيد الأكبر

بينما يتراجع اليورو، يستفيد الدولار من زيادة الطلب عليه.

فارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية، بالتزامن مع القلق السياسي والمالي في أوروبا، يدفع المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في الأصول الأميركية.

ويؤدي ارتفاع الدولار بدوره إلى تداعيات عالمية.

فالنفط والعديد من السلع الأساسية مقومة بالدولار، وبالتالي يمكن أن تصبح أكثر كلفة بالنسبة إلى الدول التي تتراجع عملاتها أمام العملة الأميركية.

كما تتعرض الأسواق الناشئة عادة لضغوط إضافية عندما يقوى الدولار، بسبب خروج رؤوس الأموال وارتفاع كلفة خدمة الديون المقومة بالعملة الأميركية.

## هل نحن أمام أزمة يورو جديدة؟

حتى الآن، من المبكر القول إن أوروبا دخلت أزمة شبيهة تماماً بأزمة 2010.

فالنظام المصرفي الأوروبي اليوم أقوى، والبنك المركزي الأوروبي يمتلك أدوات لم تكن متاحة بالدرجة نفسها خلال الأزمة السابقة.

لكن إشارات التحذير موجودة:

**دين فرنسي يقترب من 120% من الناتج، عجز مرتفع، ارتفاع في عوائد السندات، ضغوط سياسية داخلية، احتجاجات اجتماعية، ويورو يتعرض لخسائر قوية أمام الدولار.**

اجتماع هذه العناصر هو ما يجعل الأسواق تراقب باريس بحذر متزايد.

## ماكرون بين الشارع والأسواق

يجد الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه أمام جبهتين متوازيتين.

الأولى داخلية، حيث تحتاج الحكومة إلى احتواء الاحتجاجات ومنع تدهور المناخ الاجتماعي والسياسي.

والثانية مالية، حيث تحتاج باريس إلى إقناع المستثمرين بأن فرنسا قادرة على السيطرة على الدين والعجز من دون دفع الاقتصاد إلى ركود أو إشعال اضطرابات اجتماعية أكبر.

وهذه واحدة من أصعب المعادلات الاقتصادية والسياسية التي واجهتها فرنسا في السنوات الأخيرة.

خفض الإنفاق بصورة قاسية قد يهدد الاستقرار الاجتماعي.

لكن تأجيل الإصلاحات المالية يمكن أن يؤدي إلى المزيد من الضغوط على السندات واليورو ويزيد كلفة تمويل الدولة.

## أزمة فرنسية أم أزمة أوروبية؟

السؤال الذي سيحدد اتجاه المرحلة المقبلة هو ما إذا كانت فرنسا ستنجح في استعادة ثقة المستثمرين وضبط ماليتها العامة، أم أن الاضطرابات السياسية والاجتماعية ستمنع الحكومة من تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

فشل باريس في السيطرة على الوضع لن يكون شأناً فرنسياً بحتاً.

في منطقة تستخدم عملة واحدة وتتشابك أسواقها المالية والمصرفية بصورة عميقة، يمكن أن تنتقل أزمة الثقة بسرعة من دولة إلى أخرى.

ولهذا لم يعد السؤال في الأسواق: **ماذا يحدث في فرنسا؟**

بل أصبح:

**هل تستطيع فرنسا منع أزمتها الداخلية من التحول إلى أزمة ثقة جديدة في اليورو وأوروبا؟**

yatunisia.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى