العرب والعالم

التحالف السعودي أعلن غطاءً جويًا واسعًا لعملية «فجر Yemen» قرب باب المندب

التحالف السعودي

تتضارب الروايات الميدانية بصورة حادة حول ما يجري في ذباب وباب المندب على الساحل الغربي لليمن، بعد يوم شهد تقدماً سريعاً للقوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، وإعلانات متتالية عن استعادة مناطق استراتيجية، قابلتها جماعة الحوثي بالنفي، قبل أن توزع ليلاً صوراً قالت إنها توثق عودة عناصرها إلى مناطق في ذباب وباب المندب.

وبينما تؤكد الحكومة اليمنية أن قواتها استعادت مديرية ذو باب ومواقع مطلة على المضيق ووصلت باتجاه المخا، تصر جماعة الحوثي على أن رواية السيطرة الكاملة غير صحيحة.

وزاد المشهد تعقيداً ظهور صور ليلية وزعتها جهات مرتبطة بالحوثيين، وقدمتها باعتبارها دليلاً على وجود مقاتلي الجماعة مجدداً في المنطقة بعد حلول الظلام.

لكن الصور المتداولة، ومنها الصور التي اطلع عليها «بتوقيت بيروت»، لا تكفي وحدها للتحقق المستقل من مكان التقاطها أو توقيتها أو تحديد الجهة التي تسيطر فعلياً على الأرض. وتظهر إحداها منطقة جبلية مظلمة تنتشر فيها نقاط إضاءة، بينما تظهر أخرى طريقاً ليلياً ومباني في منطقة مأهولة، من دون معالم جغرافية واضحة تسمح بالجزم بأنها التقطت بالفعل داخل مدينة ذباب أو عند باب المندب.

وهكذا أصبحت المعركة، حتى الساعات الأولى من صباح الثلاثاء، معركة على الأرض ومعركة روايات في الوقت نفسه.

الحكومة: استعدنا ذباب وباب المندب

القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أعلنت الاثنين أنها حققت تقدماً واسعاً على الساحل الغربي ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية إن قوات «العمالقة» و«درع الوطن» تمكنت من السيطرة على مديرية ذو باب ومطارها العسكري، وقطعت الطريق بين ذو باب والمخا، بالتزامن مع عمليات باتجاه المواقع المطلة على مضيق باب المندب.

كما أعلنت وكالة الأنباء اليمنية التابعة للحكومة السيطرة على مواقع استراتيجية وقطع خطوط إمداد للحوثيين في المنطقة.

وذكرت وكالة رويترز أن القوات الحكومية المدعومة بضربات جوية سعودية ثقيلة نفذت تقدماً سريعاً على الساحل المحيط بمضيق باب المندب ووصلت إلى أطراف المخا، وفق أربعة مصادر حكومية. لكن رويترز شددت في الوقت نفسه على أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من حجم المكاسب الحكومية على الأرض.

وهذه النقطة مهمة جداً في قراءة الساعات الأخيرة من المعركة.

فالإعلانات العسكرية تحدثت عن «السيطرة» على مساحات واسعة خلال فترة زمنية قصيرة، بينما ظلت إمكانية وجود جيوب حوثية أو عمليات تسلل وهجمات معاكسة قائمة.

الحوثيون ينفون ثم تظهر الصور الليلية

في المقابل، رفض الحوثيون منذ بداية العملية الرواية الحكومية.

ونقلت وكالة «سبأ» الخاضعة للجماعة عن مصدر عسكري قوله إن الأنباء المتعلقة بالتقدم الحكومي باتجاه ذو باب «عارية عن الصحة»، في وقت كانت فيه القوات الحكومية تنشر بدورها مشاهد تقول إنها من المواقع التي سيطرت عليها خلال تقدمها.

ثم طرأ تطور لافت بعد حلول الليل.

فقد جرى تداول صور قدمتها مصادر وحسابات مرتبطة بالحوثيين على أنها التقطت من داخل مناطق ذباب وباب المندب، في محاولة لإثبات أن مقاتلي الجماعة عادوا إلى المنطقة أو أنهم لم ينسحبوا منها بصورة كاملة.

إذا صحت هوية الموقع والتوقيت، فإن هذه الصور ستعني أن خريطة السيطرة التي أُعلنت نهاراً لم تكن مستقرة بالكامل، وأن القوات الحوثية تمكنت إما من الاحتفاظ بجيوب داخل المنطقة أو العودة إلى أجزاء منها بعد تقدم القوات الحكومية.

لكن لا يمكن استخلاص هذه النتيجة من الصور وحدها.

فاللقطات الليلية المتداولة لا تتضمن، في نسختها التي اطلعنا عليها، علامة طريق واضحة أو مبنى معروفاً أو إحداثيات أو معلماً يمكن مقارنته بصورة مستقلة مع خرائط وصور ذباب وباب المندب.

لذلك يجب التعامل معها تحريرياً بصيغة:

«صور وزعها الحوثيون وقالوا إنها توثق وجودهم في ذباب وباب المندب»

وليس:

«صور تثبت استعادة الحوثيين لذباب».

فالفرق بين العبارتين جوهري.

حتى المصادر الدولية لم تحسم السيطرة الكاملة

رغم أن وكالات دولية بارزة نقلت تقدم القوات الحكومية، فإن الصورة ليست محسومة بالكامل.

وكالة أسوشيتد برس نقلت عن مسؤولين يمنيين قولهم إن القوات المدعومة من السعودية استعادت ذباب ومناطق أخرى قرب المضيق، كما نقلت عن شهود رؤيتهم دبابات وقوات حكومية تدخل بعض البلدات.

لكن تقرير الوكالة أشار أيضاً إلى وجود مقاتلين حوثيين في محيط منطقة باب المندب وفق تقارير ميدانية، ما يعكس الطبيعة المتحركة للجبهة.

أما رويترز فقالت صراحة إنها لم تستطع التحقق بصورة مستقلة من الحجم الكامل للتقدم الحكومي، فيما وصف الحوثيون الإعلانات الحكومية بأنها بلا أساس.

لذلك فإن أكثر توصيف دقة للوضع الحالي هو:

القوات الحكومية حققت تقدماً موثقاً وواسعاً في محور ذباب وباب المندب، لكن السيطرة النهائية والمستقرة على كامل المنطقة لا تزال موضع تضارب بين طرفي الحرب.

ماذا يمكن أن تكون الصور الليلية قد التقطت؟

هناك عدة احتمالات ميدانياً.

الأول أن القوات الحكومية دخلت ذباب خلال النهار وسيطرت على المواقع الرئيسية، بينما بقيت مجموعات حوثية داخل أطراف المدينة أو المناطق الجبلية المحيطة بها.

الثاني أن الحوثيين نفذوا تسللاً أو هجوماً معاكساً ليلياً مستفيدين من الظلام والتضاريس لاستعادة مواقع فقدوها خلال الساعات السابقة.

الثالث أن تكون الصور التقطت في مواقع تقع ضمن النطاق الجغرافي لمديرية ذو باب، لكن ليس بالضرورة داخل مركز المدينة أو في المواقع التي أعلنت القوات الحكومية تثبيت سيطرتها عليها.

أما الاحتمال الرابع فهو أن تكون الصور قديمة أو التقطت في مكان آخر، وهو احتمال لا يمكن استبعاده ما لم تتوافر النسخ الأصلية للصور وبياناتها أو تظهر معالم يمكن تحديدها جغرافياً.

لهذا يبقى التحقق الجغرافي والزمني ضرورياً قبل اعتماد الصور كدليل على تبدل السيطرة.

لماذا يصعب حسم معركة ذباب سريعاً؟

الطبيعة الجغرافية للمنطقة تساعد على تفسير تضارب الروايات.

ذو باب ليست نقطة صغيرة منفصلة، بل مديرية تضم مناطق سكنية وتضاريس جبلية ومحاور طرق تمتد باتجاه المخا وباب المندب.

لذلك يمكن لطرف عسكري أن يسيطر على الطريق الرئيسي أو المطار أو مركز سكاني، فيما يبقى الطرف الآخر موجوداً على المرتفعات والممرات والطرق الفرعية.

وهذا يجعل عبارة «السيطرة على ذباب» نفسها بحاجة إلى تحديد: هل المقصود مركز المدينة؟ المطار؟ الطريق الساحلي؟ المرتفعات؟ أم كامل المديرية؟

وفي الحروب المتحركة، قد تتغير السيطرة على بعض هذه المواقع خلال ساعات.

«فجر اليمن» تحت غطاء جوي كثيف

عملية «فجر اليمن» حظيت بإسناد جوي سعودي واسع.

التحالف الذي تقوده السعودية أعلن أن 100 طائرة مقاتلة شاركت في العمليات، وقال إنه يوفر حماية جوية مستمرة لمضيق باب المندب وللقوات الحكومية اليمنية التي تتقدم على الأرض.

كما أعلن استهداف مئات المواقع التابعة للحوثيين خلال العملية.

وتؤكد رويترز أن الضربات الجوية السعودية الثقيلة لعبت دوراً رئيسياً في التقدم الحكومي على الساحل.

لكن التفوق الجوي لا يحسم وحده السيطرة على المدن والمناطق الجبلية.

فالحوثيون يمتلكون خبرة طويلة في القتال غير النظامي والاستفادة من المرتفعات والتحرك ليلاً، وهو ما يجعل مرحلة تثبيت السيطرة أكثر تعقيداً من مرحلة اقتحام المواقع.

المخا هي الاختبار التالي

القوات الحكومية أعلنت أيضاً تقدمها باتجاه المخا، وقالت وزارة الدفاع اليمنية إن المدينة عادت إلى سيطرة الحكومة.

رويترز أكدت وصول القوات الحكومية إلى أطراف المخا نقلاً عن مصادر حكومية، لكنها استخدمت صياغة حذرة بشأن حجم السيطرة، وأشارت إلى أن مقاتلين حوثيين كانوا يتراجعون باتجاه المرتفعات.

وهذا يعني أن تطورات المخا وذباب يجب قراءتها كمشهد واحد.

إذا استطاعت القوات الحكومية تثبيت سيطرتها على الطريق الساحلي الممتد من باب المندب إلى المخا، فإن الحوثيين سيفقدون جزءاً مهماً من المكاسب التي حققوها على الساحل الغربي خلال سبتمبر.

أما إذا تمكن الحوثيون من العودة إلى ذباب أو قطع الطريق مجدداً، فإن ذلك سيعني أن عملية «فجر اليمن» تواجه مقاومة أكبر مما توحي به إعلانات الساعات الأولى.

باب المندب يجعل المعركة دولية

أهمية هذه التطورات تتجاوز اليمن.

باب المندب هو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، وبالتالي بقناة السويس شمالاً والمحيط الهندي جنوباً.

أي اضطراب أمني طويل قربه يمكن أن يؤثر في حركة السفن والطاقة وسلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا.

ولهذا تحولت السيطرة على الشريط الساحلي اليمني إلى قضية أمن دولي، وليس مجرد صراع على مدينة أو مديرية.

وحتى في حال إبعاد الحوثيين براً عن الشاطئ، تبقى لديهم قدرات صاروخية ومسيّرات يمكن استخدامها من مواقع أبعد، وهو ما أشار إليه أيضاً تقرير رويترز.

حلف مكة يدخل على خط التصعيد

تزامنت عملية «فجر اليمن» مع اجتماع سعودي–تركي–باكستاني طارئ، أعلنت بعده الدول الثلاث الاتفاق على نشر سريع لقوات وقدرات عسكرية في السعودية بموجب اتفاق مكة للدفاع المشترك.

ولم يُعلن أن هذه القوات ستشارك في المعارك داخل اليمن، لذلك يجب الفصل بين دعم السعودية للعملية اليمنية وبين ترتيبات الدفاع المشترك داخل الأراضي السعودية.

لكن توقيت القرار يؤكد أن المواجهة لم تعد محصورة في اليمن، خصوصاً مع استمرار الحوثيين في إعلان عمليات بالصواريخ والمسيّرات ضد أهداف داخل السعودية.

من يسيطر على ذباب الآن؟

هذه هي النقطة التي لا يمكن حسمها نهائياً في هذه اللحظة.

المعطيات المتوافرة تؤكد أن القوات الحكومية شنت هجوماً واسعاً ووصلت إلى ذباب ومواقع استراتيجية حول باب المندب، وأن مصادر مستقلة وشهوداً نقلت عنهم وكالات دولية سجلوا وجوداً حكومياً وتقدماً ميدانياً واضحاً.

في المقابل، ينفي الحوثيون فقدان المنطقة بالصورة التي تعرضها الحكومة، ووزعوا ليلاً صوراً يقولون إنها تظهر وجود مقاتليهم أو عودتهم إلى ذباب وباب المندب.

الصور تضيف عنصراً جديداً إلى الرواية الحوثية، لكنها لا تحسم وحدها هوية القوة المسيطرة.

ولهذا فإن العنوان الأكثر دقة للمشهد حتى الآن ليس «حسم معركة باب المندب»، بل:

تضارب في الأنباء حول باب المندب: تقدم حكومي نهاراً، ونفي حوثي وصور ليلية تفتح السؤال مجدداً حول من يسيطر فعلياً على ذباب.

وستكون الساعات التالية، مع ظهور صور نهارية جديدة وتحديد مواقع القوات على الطرق والمطار والمرتفعات المحيطة، أكثر قدرة على كشف ما إذا كانت الصور الليلية توثق بالفعل هجوماً حوثياً معاكساً وعودة إلى ذباب، أم مجرد وجود محدود داخل جبهة لم تكن قد حُسمت بالكامل من الأساس.

WPMP optimized image

yatunisia.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى